القرطبي

45

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قال ابن عباس : سماهم مكرمين لأنهم غير مذعورين . وقال مجاهد : سماهم مكرمين لخدمة إبراهيم إياهم بنفسه . قال عبد الوهاب : قال لي علي بن عياض : عندي هريسة ما رأيك فيها ؟ قلت : ما أحسن رأيي فيها ، قال : امض بنا ، فدخلت الدار فنادى الغلام فإذا هو غائب ، فما راعني إلا به ومعه القمقمة والطست وعلى عاتقه المنديل ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، لو علمت يا أبا الحسن أن الامر هكذا ، قال : هون عليك فإنك عندنا مكرم ، والمكرم إنما يخدم بالنفس ، انظر إلى قوله تعالى : ( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ) . قوله تعالى : ( إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ) تقدم في ( الحجر ( 1 ) ) . ( قال سلام ) أي عليكم سلام . ويجوز بمعنى أمري سلام أو ردي لكم سلام . وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما ( سلم ) بكسر السين . ( قوم منكرون ) أي أنتم قوم منكرون ، أي غرباء لا نعرفكم . وقيل : لأنه رآهم على غير صورة البشر ، وعلى غير صورة الملائكة الذين كان يعرفهم فنكرهم ، فقال : ( قوم منكرون ) . وقيل : أنكرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان . وقال أبو العالية : أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض . وقيل : خافهم ، يقال : أنكرته إذا خفته ، قال الشاعر ( 2 ) : فأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا قوله تعالى : ( فراغ إلى أهله ) قال الزجاج : أي عدل إلى أهله . وقد مضى في ( والصافات ( 3 ) ) . ويقال : أراغ وارتاغ بمعنى طلب ، وماذا تريغ أي تريد وتطلب ، وأراغ إلى كذا أي مال إليه سرا وحاد ، فعلى هذا يكون راغ وأراغ لغتين بمعنى . ( فجاء بعجل سمين ) أي جاء ضيفه بعجل قد شواه لهم كما في ( هود ) : ( فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ( 4 ) ) . ويقال : إن إبراهيم انطلق إلى منزله كالمستخفي ( 5 ) من ضيفه ، لئلا يظهروا على ما يريد أن يتخذ لهم من الطعام .

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 34 ( 2 ) هو الأعشى . ( 3 ) راجع ج 15 ص 94 ( 4 ) راجع ج 9 ص 63 و 68 ( 5 ) في ن : ( كالمستحي ) .